الشيخ عبد الشهيد مهدي الستراوي

120

القرآن نهج و حضارة

وتعالى : وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً « 1 » فإنه سبحانه كما خلق الإنسان من ناحية الأعضاء والجوارح والأجزاء ، والنفس وصفاتها ومزاياها وخصوصياتها ، وأوجد أعقد الأجهزة في جسمه . كذلك أوجد النظام الإنساني الذي يكفل له السعادة ، وهو من أعقد الأنظمة الذي يحوي على ألوف التشريعات ، والقوانين لتجعل للإنسان أنظمة ودساتير ومناهج في غاية الدقة ، لئلا يتيه في دروب الحياة الحالكة ، ولئلا يرد إلى أسفل سافلين بعد أن خلق في أحسن تقويم . « وحيث جاء القرآن ليسير مع البشر إلى الأبد آخذا زمامه في كل دروب الحياة ، كان لا بد له أن يضع الأنظمة ، ليناسب حالاته المختلفة حتى في أعقد أدوار ارتفاعه ، آخذا من سكناه الكهوف والخيام ، واقتياته على الصيد والفواكه وامتطائه الخيل والبغال والحمير ، واستعماله الأحجار والأخشاب في حاجاته ، وانتهاء إلى سكناه المدن الفضائية ، واقتياته الأغذية ، وامتطائه الأقمار السابحة في الأجواء واستعماله العقول الآلية ، وإلى غير ذلك من أعقد الحياة التي يضعها العلم بيد الإنسان يوما بعد يوم . ومن هنا يتجلى بعض عظمة القرآن حيث جعل مثل هذه الأنظمة للإنسان وهي صالحة لأعضاء الإنسان أسعد الحياة ، بينما كل المذاهب والأديان والأنظمة القديمة قد هربت من الميدان ، كما إن كل نظام يتجدد يجد عدم ملاءمته للحياة بعد برهة قصيرة من التطبيق ، مما يكون لا بد له من تسليم مكانه لنظام أحسن ليأخذه مكانه ليجد عدم صلاحيته أيضا » . « 2 » علينا إذا أن نأخذ بهذا القرآن ، منهجا في الحياة ، وفي كل ما يرتبط بها مكانا وزمانا ، فإننا

--> ( 1 ) سورة النحل آية 89 ( 2 ) الفقه القرآن ص 56